قصة مستشفى عرقة المهجور — الحكاية الحقيقية لأكثر مبنى رعبًا في الرياض"


مستشفى عرقة… الحكاية التي لم تنتهِ بعد

تقول الروايات إن هذا المستشفى تم الانتهاء من بنائه في عام 1987 على يد رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق

 الحريري – رحمه الله – بقصد التبرع به لصالح وزارة الصحة السعودية. 

مستشفى مهجور
مستشفى عرقة

ولكن، كما هو الحال في كثير من القصص التي يختلط فيها الواقع بالأسطورة، لا توجد وثائق رسمية تثبت هذه الرواية. فقد صدر بيان رسمي من وزارة الصحة في

 ذلك الحين يوضح أن “المستشفى أُنشئ كمستشفى خاص، لكنه لم يُشغَّل قط.

من بناه؟ ولماذا لم يُفتَح؟

وعندما تخطو داخله، تشعر بالرهبة قبل الإعجاب. الأرضيات الرخامية لا تزال صلبة، الجدران مزيّنة بزخارف هندسية

 دقيقة، والإنارة – رغم انقطاعها عن العالم الخارجي – لا تزال تعمل في بعض الزوايا كأن أحدهم يشعلها سرًّا في الليل.

إذا كان المبنى جاهزًا بكل تجهيزاته، فلماذا تُرك مهجورًا؟

ومن هنا بدأت الحكاية تتحوّل من نزاع إداري إلى أسطورةٍ مخيفة تتناقلها الألسن.

أصوات من الداخل

في البداية ظنّ الناس أن مجموعة من العابثين تتسلل إلى الداخل ليلاً، لكن حين حضرت الشرطة لتفتيش المكان، وجدته

 خاليًا تمامًا. لا أثر لبشر، ولا لبصمات، ولا لأي مصدر محتمل لتلك الأصوات.

وأغرب ما رُوي، أن صوت مؤذّنٍ شجيّ يُسمَع أحيانًا من المسجد التابع للمستشفى خلال شهر رمضان، رغم أن المسجد

 مغلق منذ سنوات طويلة ولا يستطيع أحد دخوله. كان الصوت يصدح بالآذان ثم يتوقف فجأة عند الشهادة، فيسود صمتٌ

 ثقيل يعقبه صدى الرياح.

خماسية المغامرين

– ما رأيكم أن نذهب إلى مستشفى عرقة؟

ضحك البقية في البداية، ثم تحولت الضحكة إلى حماس ممزوج بالخوف. لم يمانع أحد، فالفضول كان أقوى من الخوف.

 اتجهوا نحو المستشفى، وركنوا السيارة قرب السور الخارجي الذي كان نصفه مهدّمًا.

قال أحدهم متردّدًا:

– المكان فعلاً مرعب…

فردّ آخر مبتسمًا:

– لا تكن جبانًا، لن ندخل أكثر من الطابق الأرضي.

تفقدوا الغرف الأولى، فوجدوا أسرّة المرضى مغطاة بالأتربة، وأوراقًا طبية مبعثرة على الأرض. لم يكن هناك شيء

 غريب، حتى صعدوا إلى الطابق الثاني.

– تعالوا بسرعة! أنتم لن تصدقوا ما وجدت!

صعدوا إليه متسارعين، وهناك شاهدوا غرفةً نظيفة تمامًا، تفوح منها رائحة سوائل التعقيم، وعلى الطاولة كوب شاي

 ساخن يتصاعد منه البخار!

تجمّد الجميع في أماكنهم، أحدهم تمتم قائلاً:

– من كان هنا قبلنا؟!

لكن لم يمهلهم القدر وقتًا للتفكير، إذ دوّى صوت خطواتٍ قادمة من الممر، ثقيلة ومتقاربة، كأن شيئًا غير مرئي يقترب.

 فهربوا يركضون بلا وعي، يتعثرون ببعضهم في السلالم، بينما يسمعون خلفهم زمجرةً غريبة تشبه أنين حيوان جريح.

ثلاجة الموت.

“ثلاجة الموتى”.

قال بخوف:

– لا بد أن هذا هو المشرحة…

اقترب أحدهم من نافذة صغيرة في الباب ونظر بفضول، ثم صرخ.

– يا الله! انظروا.

اجتمعوا حوله، فرأوا في الداخل ظلالاً تتحرك، كأن هناك أشخاصًا يسيرون ويتحدثون. كانت الأصوات غامضة، خليطًا

 بين همسات وضحكات وبكاء مكتوم.

ثم فجأة، انطفأ ضوء هواتفهم جميعًا في اللحظة نفسها. ساد ظلام دامس، تلاه صوت صرخةٍ مرعبة من داخل الغرفة،

 وظهر ثلاثة ظلال سوداء تنطلق نحوهم بسرعة خارقة.

ركضوا مذعورين، لكن أحدهم تعثّر وسقط، فصرخ مستغيثًا كأن شيئًا يمسك بساقيه. حاول أصدقاؤه سحبه بكل قوتهم

 حتى تخلّص منه، ثم اندفعوا نحو المخرج وهم لا يلتفتون خلفهم.

المرأة العجوز

– لقد أيقظتم مخلوقاتي! اخرجوا من هنا قبل أن تندموا.

ارتعدت فرائصهم، وأغمي على أحدهم من شدة الرعب. حملوه وسرعوا الخطى نحو الباب الخارجي، تتبعهم أصوات

 صرخاتٍ وزمجرةٍ خلفهم، حتى خرجوا يتعثرون بالهواء البارد في الخارج.

رجل الأمن الغامض

– يا أخي، هناك جن في الداخل! رأينا امرأة عجوزًا! كدنا نموت رعبًا.

نظر إليهم الرجل بهدوء، ثم قال بنبرة باردة.

– لا يجب أن تكونوا هنا. هذا المكان ليس لكم. غادروا فورًا ولا تعودوا أبدًا.

شكره أحدهم قائلاً.

– حسنًا، شكرًا يا عم، ولكنك أنقذتنا حقًا.

غير أن الرجل لم يبتسم، ولم يجب. كانت نظراته جامدة كأنها تخترق الظلام.

نزل الضابط من السيارة وسألهم بلهجة حازمة.

– ماذا كنتم تفعلون هناك؟

ارتبكوا في الإجابة، ثم قال أحدهم.

– كنا فقط نستكشف المكان، لم نقصد شيئًا سيئًا. على كل حال، رجل الأمن أخبرنا بالمغادرة.

تغيّر وجه الضابط فجأة وقال.

– أي رجل أمن؟

– الذي كان يقف أمام الباب.

أخذ الضابط نفسًا عميقًا وقال ببطء.

– المستشفى مغلق منذ أكثر من عشرين عامًا… ولا يوجد به أي رجل أمن منذ ذلك الوقت.

– أنصحكم ألا تعودوا إلى هناك أبدًا. لقد حدثت أمور غريبة كثيرة في ذلك المكان.

الجدل الذي لا ينتهي

بعضهم قال إن الشباب كانوا ضحية تهيؤات بسبب الظلام والخوف، وآخرون أقسموا أن المستشفى مسكون حقًا. بل إن

 عشرات المراهقين حاولوا تقليدهم واقتحموا المكان لتوثيق “الجن” عبر هواتفهم، حتى اضطرت السلطات إلى إغلاق

 المستشفى بالكامل ومنع الاقتراب منه.

يقول البعض إنهم لا يزالون يرون أضواءً خافتة تتحرك بين نوافذه في الليالي المقمرة، ويقسم آخرون أنهم سمعوا

أذان الفجر يخرج من مئذنته المغلقة.

أما الحقيقة، فلا أحد يعرفها على وجه اليقين.

وربما، فقط ربما.

هناك من يسكن حقًا بين جدران ذلك المستشفى، ينتظر من يجرؤ على الدخول من جديد.

أم أن البشر هم من صنعوا خوفهم بأنفسهم؟

مهما قيل ويقال عن هذا المستشفى، فإن قصته واحدة، تتردّد على ألسنة الناس في أرجاء الرياض منذ عقود. إنه مبنى

 ضخم مهجور اليوم، يعرفه الجميع باسم “مستشفى عرقة”، ذلك الصرح الغامض الذي يقف شامخًا على أطراف

 المدينة، كهيكل عتيق يروي بصمته حكايةً لم تكتمل فصولها بعد.

وهكذا ظلّ السؤال يتردّد منذ ذلك اليوم وحتى الآن:

وبغضّ النظر عن الجهة التي قامت بتشييده، فإن أول ما يثير الدهشة حين تراه هو فخامته المهيبة. إذ يبدو للوهلة الأولى

 كقصر ملكي لا كمستشفى. الواجهات الرخامية تتلألأ تحت ضوء القمر، والأعمدة العالية تقف كحراس الزمن، فيما تتدلّى

 الأسلاك من النوافذ وكأنها شرايين ميتة لمبنى كان يوماً ينبض بالحياة.

يتكوّن المستشفى من ثمانية طوابق، مزوّدة بالمصاعد، وغرف العمليات، والمختبرات، وغرف المرضى، وحتى المسجد

 الذي لا يزال مئذنته شامخة. كل شيء يشير إلى أنه كان جاهزًا تمامًا لافتتاحٍ لم يحدث قط.

وهنا يثور السؤال الذي لم يجد أحد له جوابًا قاطعًا حتى اليوم:

الجواب – كما يقول بعض المطلعين – بسيط من الناحية الإدارية، معقّد من ناحية القدر. فالرجل الذي شيّد المستشفى لم

 يسجّل تبرعه رسميًا قبل وفاته، لتنشب بعده نزاعات بين الورثة حول ملكيته، خاصة بعد أن أصبحت المنطقة المحيطة به

 من أرقى أحياء الرياض وارتفعت قيمتها العقارية أضعافًا مضاعفة. وهكذا، تعثّرت كل محاولات تشغيل المستشفى، وظلّ المبنى مغلقًا بلا حارس ولا زائر.

غير أن الفراغ لا يدوم طويلًا… فحين يهجر البشر مكانًا، يُقال إن الجن يسكنونه.

بدأ السكان المجاورون يتحدثون عن أصوات غريبة تُسمع ليلاً من داخل المستشفى: ضحكات مكتومة، خطواتٌ تُدوّي في الممرات، أبواب تُصفق، وأنوارٌ تُضاء وتُطفأ فجأة.

بل إن بعض الشهود قالوا إنهم شاهدوا ألسنة لهبٍ تخرج من بعض النوافذ في منتصف الليل، ثم تختفي كأنها لم تكن.

وهكذا، تحوّل المكان إلى أسطورة حضرية. كل من يمرّ بجانبه ليلاً يشعر بالرهبة، ويتسارع في خطواته. بينما وجد فيه

 بعض الشباب تحدّيًا ومغامرة لكسر الملل، فصاروا يتحدثون عن اقتحامه وتجربة "الرعب الحقيقي" بأنفسهم.

في إحدى الليالي الصيفية، كان خمسة شبان يجوبون شوارع الرياض بسيارتهم، يتبادلون النكات والضحك، ثم ساد بينهم

 صمت ممل. عندها قال أحدهم:

اقتربوا من المبنى الضخم المظلم، وأضاءوا هواتفهم كمصابيح. كان الهدوء قاتلاً، لا يُسمع سوى نباح كلب بعيد وصوت

 الرياح التي تمرّ بين النوافذ المكسورة.

لكن الفضول – كما هي العادة – غلبهم. دخلوا من باب جانبي مكسور، ليجدوا أنفسهم في ردهة واسعة تكسوها طبقة من

 الغبار الكثيف. كانت رائحة العفن تعبق في الجو، وأصوات خطواتهم تتردد كأنها تهمس لهم بالعودة.

هناك، اقترح أحدهم أن يصعد وحده إلى الطابق الثالث ليستكشفه بينما يبقى الآخرون في الأسفل. لم تمضِ دقائق حتى

 سمعوا صوته يناديهم بخوف:

توقفوا عند نهاية ممر طويل لالتقاط أنفاسهم، وأحدهم أسند ظهره إلى الجدار محاولًا تهدئة قلبه الذي كاد يقفز من صدره،

 فإذا به يكتشف بابًا معدنيًا ضخمًا خلفه مكتوبًا عليه:

في أحد الممرات الجانبية، وبينما يركضون كالمجانين، ظهرت أمامهم فجأة امرأة عجوز بملامح مخيفة، وجهها شاحب،

 وعيناها تتوهجان بلونٍ أحمر باهت. رفعت يدها وصاحت بصوتٍ كالرعد:

في ساحة المستشفى، وجدوا رجل أمن يقف بزيه الرسمي، يحمل كشافًا بيده، فسارعوا نحوه وهم يلهثون.

استقلّ الشباب سيارتهم وغادروا المكان مسرعين، يتحدثون بصوت مرتفع محاولين تبديد الخوف بالمزاح. لكنهم حين

 ابتعدوا أمتارًا قليلة، أوقفتهم دورية شرطة.

ساد صمت مميت بين الجميع، شعروا كأن الدم تجمّد في عروقهم. حاولوا الاعتراض، لكن الضابط قاطعهم قائلاً:

نظروا خلفهم نحو المستشفى الذي بدأ يختفي في ظلمة الليل، وكأنّه يبتلع سرّه مجددًا في جوفه.

انتشرت القصة كالنار في الهشيم. في اليوم التالي، تحدث عنها الناس في كل مكان: على مواقع التواصل، في المقاهي،

 وحتى في نشرات الأخبار.

ومع مرور السنين، ظلّ المبنى كما هو… صامتًا، غامضًا، يقف هناك في ضاحية عرقة كأنّه يراقب المدينة من بعيد.

ربما يكون كل ما حدث مجرّد قصص تناقلها الناس وتضخّمت مع الوقت.

هل المستشفى مسكون؟

الحقيقة تظل ضائعة بين الأسطورة والواقع، لكن المؤكد أن مستشفى عرقة سيبقى شاهدًا على واحدة من أغرب القصص

 التي عاشها سكان الرياض… قصةٌ بدأت ببناءٍ لم يُفتتح، وانتهت بأبوابٍ لا تُفتح إلا لمن لا يخاف الظلام.

النهاية... أم بداية حكاية أخرى؟

 

 أقرا أيضا قصة رعب القصر المسكون  بالف شبح 



Enregistrer un commentaire

Plus récente Plus ancienne